محمد جواد مغنية

169

في ظلال نهج البلاغة

ومن حكم الإمام : من اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة ، وتبوأ خفض العيش . أي عاش في غنى عن الناس ، واستراح وأراح . ( ومن استكثر منها استكثر مما يوبقه ) أي يهلكه ، وفيه ايماء إلى أن تراكم الثروات لا يكون إلا من حرام ، لأن اللَّه سبحانه لا يعاقب على الطيبات من الرزق بعد أن أباحها ، وأنكر على من حرمها ( وزال عما قليل عنه ) لا بد أن يفارق المال صاحبه ولو بالموت ( وكم من واثق بها قد فجعته ) . كمن يركن إلى عافيته فيصيبه داء لا دواء له ، أو إلى ما له فتذهب به النكبات ، أو إلى عزيز فتختطفه المنية ( وذي طمأنينة إليها قد صرعته ) من حيث لا يشعر ، ولا رزية أو وجع للقلب من مفارقة ما كان يطمئن اليه ، ويعتز به . ( وذي أبهة قد جعلته حقيرا ) هوت به إلى الحضيض ، وهو في القمة من العز ( وذي نخوة قد ردته ذليلا ) . انهار واستسلم صاغرا بعد برقه ورعده ، وهذا وما قبله عطف تفسير على كم واثق بها فجعته ، والغرض من التكرار هو التأكيد على أن يحذر الانسان من كل شيء ، ولا يغتر بما يرى من الظواهر ، ولا يثق بأي سبب إلا إذا أخذ به في سبيل الحق والعدل ( سلطانها دول ) ينتقل من يد إلى يد ، ما حسب لها حاسب ( وعيشها رنق ) لا يخلو من الكدر . ( وعذبها أجاج ) يجمع بين الأمراض والأحزان في كثير من الأحيان ( وحلوها صبر ) مر العاقبة ( وغذاؤها سمام ) إذا كان من نوع الحرام ( وأسبابها رمام ) بالية من تمسك بها هوى ( وحيها بعرض موت ) * ( كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ويَبْقى وَجْه رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ والإِكْرامِ ) * - 28 الرحمن ( وصحيحها بعرض سقم ) وان احتاط وتحفظ من الأمراض بالحمية ، واقتصد في مأكله ومشربه ، وابتعد عن أسباب الهموم والأحزان . ( ملكها مسلوب ) ولو بالموت ، والمراد بالملك هنا مطلق الحيازة لأي شيء ( وعزيزها مغلوب ) ولو لزوجته أو ولده ( وموفورها منكوب ) بمال أو جاه أو عزيز ( وجارها محروب ) أي من التجأ إلى الدنيا ، واستجار بها سلبت أمواله ولو بالموت . بئست الدار لمن يتهمها . . فقرة 4 - 6 : ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعمارا ، وأبقى آثارا وأبعد